شارون وخارطة الطريق

د.خـالد شعبان

عاطف المسلمي

جاء خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي ألقاه في 24/6/2002، متضمناً خطوطاً وأفكاراً لحل الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، تعكس إلى حد كبير الرؤيا الإسرائيلية لهذا الحل، والتي عرضت على الإدارة الأمريكية خلال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية أرئيل شارون لواشنطن بداية يناير 2002. وتضمنت خطة للتسوية على مراحل تنتهي بدولتين إسرائيلية وفلسطينية. وقد إستند خطاب بوش إلى حدٍ كبير على أفكار شارون وفي مقدمتها المطالبة بإستبدال رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وإجراء إصلاحات في السلطة الفلسطينية كشرط للتقدم السياسي، مقابل ذلك يوافق شارون على البدء بالمفاوضات حول "الدولة الفلسطينية" قبل إستكمال الإصلاحات.

وفور إنتهاء الرئيس بوش من إلقاء خطابه، إنطلقت التصريحات الإسرائيلية الرسمية لتثني على الخطاب وعلى تصميم الرئيس بوش على مكافحة الإرهاب. حيث قال رئيس الحكومة أرئيل شارون في إتصال هاتفي مع مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس في 25/6/2002، "أصغيت بإهتمام بالغ إلى الخطاب وتولد لدي إنطباع عميق، أنا أريد أن تبلغي الرئيس الإمريكي تقديرنا لحزمه وإصراره في مكافحة الإرهاب وقيادته للعالم الحر"(1).

لقد فسر رئيس الحكومة أرئيل شارون إصرار الرئيس الأمريكي على مكافحة الإرهاب على أنه إضفاء مصداقية على خطواته العدوانية على الشعب الفلسطيني، فشارون يؤمن أن ما لا يأتي بالقوة يأتي بقوة أكبر، لذلك فقد إتبع سياسة تدمير كل أثر لإتفاق أوسلو، حيث أقدم على إعادة إحتلال الضفة الغربية، الأمر الذي لا تحتمله الإدارة الأمريكية، وبدا لكل من تصور أن شارون لا يملك سياسة محددة لحل الصراع أنه واهم، فرئيس الحكومة الذي بات لا يملك إستراتيجية عسكرية لإنهاء الصراع، في حقيقة الأمر لديه خطة سياسية خاصة به وهو يحتفظ بها في سره، وإن إتضحت معالمها خلال التحضير للعملية العسكرية الثانية في الضفة الغربية والمسماه (الطريق الحازم) وهي تستند على عدة نقاط أهمها حسب صحيفة هآرتس 28/6/2002:

خطة شارون السياسية

* لا يريد شارون في المرحلة الحالية إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين حول التسوية النهائية للصراع.

* يتوجب تأجيل إنشاء الدولة الفلسطينية قدر المستطاع.

* لا لإزالة المستوطنات أياً كانت حتى أكثرها عزلة.

* بدلاً من تقصير الخطوط عسكرياً يتوجب السعي لإحتلال مناطق فلسطينية لمدة طويلة بما في ذلك أجزاء من مناطق (أ).

*  خطط شارون للإحتفاظ بمنطقتين أمنيتين: في الشرق كل غور الأردن، وفي الغرب كل منطقة التماس. وبمساعدة غلاف القدس، سيتم عزل القدس عن الفلسطينيين في الضفة الغربية بدرجة كبيرة.

وما يعكس مدى التنسيق العالي بين شارون والرئيس بوش، ما ورد في كلمة شارون أمام مؤتمر قيساريا في 4/7/2002، حين أعلن أنه تمكن من التوصل إلى خطة سياسية مع الرئيس الأمريكي جورج بوش خلال إتصالات سرية بينهما. وقال شارون إن الإحساس السائد بأنه لا يوجد لدي خطة سياسية، ساهم في الحفاظ على سريتها. وقال شارون لقد قررت السير إلى الأمام، لدينا مصلحة في تحريك المسيرة السياسية، ليس من أجل خلق صورة وهمية بالمسيرة بل من أجل التوصل بسرعة إلى تسوية حقيقية تؤدي إلى سلام. وقال شارون "إن إسرائيل ترحب بالمبادئ التي وردت في خطاب الرئيس بوش وتؤيد تنفيذها. وأعرب شارون عن تأييده لإقامة دولة فلسطينية في نهاية المسيرة"(2).

إن إعلان شارون الموافقة على خطاب بوش لا يعني بالضرورة نيته التنفيذ، حيث لن يتوانى رئيس الحكومة في وضع شروط تعجيزية تعيق التنفيذ، وهذا ما يفسر صمت قادة اليمين الذين أشبعوا خطاب بوش طعناً. وقد إستعرض شارون في 15/7/2002 مواقف إسرائيل السياسية للإدارة الأمريكية عشية إجتماع اللجنة الرباعية في نيويورك وتضمنت النقاط التالية:

* توافق إسرائيل على تصور الرئيس جورج بوش وتنوي تنفيذه، لكن الأمر مشروط بتنفيذ كامل للمسؤولية الواقعة على عاتق الفلسطينيين.

* الفلسطينيون مطالبون بحل المجموعات المسلحة وتجريدها من سلاحها وتوحيد الأجهزة الأمنية تحت قيادة وزير غير متورط بالإرهاب.

* وقف الإرهاب والهدوء المطلق، هما الشرط الأساسي لتنفيذ تصور الرئيس بوش.

* يجب عدم تحويل مساعدات مالية دولية لعرفات، لأن جزءاً من هذه الأموال يحول لتمويل الإرهاب.

وانطلق شارون في حملة مسعورة لتشويه صورة السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات، محملاً الجانب الفلسطيني المسؤولية الكاملة عن عدم البدء بتفعيل خطة بوش. حيث قال خلال خطاب ألقاه في حفل تخريج في كلية الأمن القومي، "بيننا وبين الهدف تقف عصابة م.ت.ف، القاتلة والإرهابية الفاسدة، هذه العصابة لا تريد السلام مع إسرائيل بالضبط، مثلما هي غير معنية بالتخفيف من ضائقة الفلسطينيين. كل محاولة لإبرام صفقة مع الإرهاب تزرع في قلوبهم الأمل بأنهم يستطيعون خداعنا ثانية، نحن نسقط في هذا الفخ الذي جاء لإضعافنا وإنقاذهم، لن يكون هناك حل وسط مع الإرهاب ولن تجري مفاوضات(3).

في تلك الفترة توالت تصريحات رئيس الحكومة آرئيل شارون التي تصب في معظمها في شرح رؤيته الخاصة للحل، وعدم إمكانية التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين على حساب الأمن. فقد صرح شارون في جلسة لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في 12/8/2002 أنه لا يمكن لأي تسوية أن تتم على حساب الأمن، وقال: إنه سيتعين علينا في النهاية التوصل إلى تسوية، وإذا لم يكن عرفات هناك، فهناك إحتمال بتقصير مدة العملية، إنني لا أرى إمكانية أن نتمكن من مواصلة العيش على مدى الزمن في نابلس وجنين، وبالتأكيد في غزة(4).

في السادس عشر من أيلول 2002، صدر بيان عن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول، ونظرائه من أوروبا وروسيا، بالإضافة للأمم المتحدة (اللجنة الرباعية) يحدد مراحل واضحة لإحراز الإتفاق الدائم وإقامة الدولة الفلسطينية حتى عام 2005. وجاء رد شارون على هذا الإعلان خلال لقائه بصحيفة جيروسالم بوست الناطقة بالإنجليزية، حيث قال "من الممكن جداً أن ترغب الولايات المتحدة إظهار حدوث تقدم سياسي"، وربما بسبب الوضع الراهن وكعملية وقائية، قرر شارون إحتضان خطة بوش التي شارك في إعدادها. وألمح شارون أنه رغم معارضته المعروفة للجدول الزمني، فإنه على إستعداد لقبول إقامة دولة فلسطينية مؤقتة بعد وقف إطلاق النار والإنتقال خلال ثلاث سنوات لإجراء نقاشات حول إتفاق التسوية الدائمة(5).

إسرائيل لن تدفع ثمن الحرب على العراق

مع بداية التحضير للحرب على العراق، وخلال زيارته لواشنطن في 16/10/2002، عمل شارون على التوضيح للرئيس بوش، أن إسرائيل ليست على إستعداد للدفع من أمنها الثمن الذي تطلبه الدول العربية وأوروبا كشرط لدعم الحرب من أجل إسقاط صدام حسين. وفي واشنطن طلبت الإدارة الأمريكية من شارون القيام بالخطوات التالية:

- إخلاء المواقع الإستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية.

- وقف المس بالمواطنين الفلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي.

- تقديم تسهيلات إنسانية كبيرة في المناطق الفلسطينية.

- إنسحاب إسرائيل من مدينة فلسطينية "واحدة أو إثنتين في مناطق (أ).

- إستئناف التعاون الأمني مع الفلسطينيين.

- تخفيف الضغط الإقتصادي على سكان المناطق الفلسطينية.

- تحويل الأموال المستحقة للفلسطينيين من إسرائيل(6) .

في واشنطن وقبل وقت قصير من لقاء شارون – بوش، شرح الطاقم السياسي الأمريكي أمام شارون الخطة السياسية التي بلورتها الإدارة الأمريكية، المسماه "خارطة الطريق" وتشتمل على ثلاث مراحل لحل النزاع مع الفلسطينيين، وستنفذ خلال ثلاث سنوات. وهي في أساسها أعدت من قبل البنتاغون ووزارة الخارجية الأمريكية بالتعاون مع الإتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة، وهي ليست نهائية ولم يكن قد صادق عليها الرئيس الأمريكي جورج بوش بإنتظار ملاحظات تصل من الطرفين.

 

فيما يلي المراحل الثلاث المفصلة في الخطة السياسية

المرحلة الأولى: حتى منتصف 2003، خطوات طارئة لإستقرار الوضع عشية الإنتخابات في السلطة الفلسطينية.

المرحلة الثانية: حتى منتصف 2004، في هذه المرحلة يعقد مؤتمر دولي تبدأ فيه عملية مفاوضات حول إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة من الجائز الإفتراض أنه في هذه المرحلة سيُحدد مصير جزء كبير من المستوطنات.

المرحلة الثالثة: حتى 2005-2006، مفاوضات حول التسوية الدائمة بدون جدول زمني محدد، والفرضية هي انه في هذه المرحلة من المفروض أن تطرح القضايا المركزية للنزاع، منها مستقبل القدس واللاجئين(7).

وقد وافقت الإدارة الأمريكية على موقف شارون الذي بموجبه يكون التقدم في تنفيذ الخطة مرتبط بالنشاط على الأرض.

ملاحظات إسرائيل على الخطة

فور عودته من واشنطن أجرى شارون نقاشاً بمشاركة أوساط أمنية من أجل بلورة الملاحظات الإسرائيلية على خارطة الطريق. وتبلور في النقاش عدة تحفظات عرضت أمام المبعوث الأمريكي وليام برنز، الذي وصل إلى إسرائيل في 23/10/2002 خلال جولة له في الشرق الأوسط. وتدعي إسرائيل أن موضوع مكافحة الإرهاب لم يلق الإهتمام الكافي في خارطة الطريق. وكان شارون قد صرح خلال النقاش "أن إسرائيل لن تتقدم في خارطة الطريق التي بلورها الأمريكان إلا إذا كان هناك تنفيذ كامل لكل مرحلة ومرحلة(8).

خلال إجتماع بيرنز مع طاقم موظفي مكتب رئيس الحكومة برئاسة مدير المكتب دوف فيسغلس، تسلم بيرنز تحفظات إسرائيل على الوثيقة، وقال فيسغلس "إن إسرائيل لا ترفض خارطة الطريق وترحب بالنية بتنفيذ الخطة التي طرحها الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه في 24/6/2002.

ومن أهم التحفظات التي طرحتها إسرائيل

-  تدعي إسرائيل أن مبدأ "الأمن أولاً" الذي ظهر في خطاب بوش، لا يظهر في خارطة الطريق. فالمطلوب من الفلسطينيين في خارطة الطريق، إصدار تصريح ضد العنف. وتدعي إسرائيل أن هذا لا يكفي، ويجب على الفلسطينيين البدء بتنفيذ إلتزامات أمنية حقيقية، تتقيد هذه الإلتزامات بخلق قاعدة لإستمرار المسيرة السلمية، ويساعد إسرائيل في تنفيذ تسهيلات وإصدار أوامر بسحب قوات الجيش من مدن الضفة.

- تعارض إسرائيل أن يكون الإنتقال من مرحلة إلى أخرى حسب خارطة الطريق خاضع لحكم اللجنة الرباعية، وتدعي إسرائيل أنه حسب نظرية الأمن القومي في الولايات المتحدة، فإن التوصل إلى تسوية سياسية في الشرق الأوسط مرتبط بالأطراف، توافق إسرائيل على أن للولايات المتحدة دوراً هاماً في تحديد ما إذا كانت شروط الإنتقال من مرحلة إلى مرحلة قد نفذت، ولكنها تعارض منح صلاحية الحكم لكل ممثلي المجتمع  الدولي.

- تعارض إسرائيل أن تشمل "خارطة الطريق" الإعراب عن الدعم للمبادرات السياسية التي تعبر عن موقف طرف واحد في النزاع، مثل المبادرة السعودية وقرارات قمة بيروت، هذه تشمل بنوداً مثيرة جداً للمشاكل من ناحية إسرائيل، مثل دعم حق العودة. يجب على المفاوضات أن تستند على قرارات ملزمة للطرفين مثل قرارات الأمم المتحدة 242 و338.

- تتحفظ إسرائيل على عرض جدول زمني متشدد في "خارطة الطريق" وتطالب بأن تكون الجداول الزمنية مرتبطة بتنفيذ إلتزامات الطرفين(9).

خلال جلسة لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست في 28/10/2002، أكد شارون صراحة أن الحكومة لا تقبل بكل المبادئ التي تنص عليها "خارطة الطريق"، مشيراً إلى أنه لا يمكن لإسرائيل أن توافق على تجميد أعمال البناء في المستوطنات بشكل مطلق، إذ يجب السماح لإجراء أعمال بناء في المستوطنات بحسب إحتياجات التكاثر السكاني الطبيعي فيها على حد زعمه(10).

الإنتخابات وخارطة الطريق

في السادس من نوفمبر 2002، بعث أرئيل شارون رسالة إلى الإدارة الأمريكية جاء فيها، أنه رغم تبكير الإنتخابات، فإن إسرائيل ستواصل الإتصالات لبلورة "خارطة الطريق"، وأبلغ شارون الأمريكان بأنه قد يجري تأخير طفيف يقدم بعده الرد الإسرائيلي على المسودة الأمريكية، في حين ستستمر الإتصالات. وأكد شارون في رسالته أنه سيكون ملزما بتنفيذ رؤية الرئيس بوش بإقامة دولة فلسطينية، وإنهاء المفاوضات حول التسوية الدائمة خلال خمس سنوات(11).

خلال الحملة الإنتخابية في إسرائيل، قدم البيت الأبيض تعزيزين لحملة شارون الإنتخابية، أولهما الموافقة على تأجيل التداول حول خارطة الطريق، وثانيهما التنازل عن الحصول على رد إسرائيلي رسمي حتى ما بعد الإنتخابات. هذان الأمران أعفيا شارون من الحاجة إلى تفصيل مواقفه السياسية، وبذلك تمكن من تغليف نفسه بالغموض المحبب إلى قلبه، وامتنع عن إصدار تصريحات واضحة، خشية أن يتعرض إلى إنتقادات حول بنود خارطة الطريق، مثل إقامة دولة فلسطينية وقضية تجميد المستوطنات بصورة تامة(12).

في الثالث والعشرين من ديسمبر 2002، نقلت الصيغة الرسمية المعدلة من خارطة الطريق الأمريكية إلى مكتب رئيس الحكومة، وقد خلت من بند إخلاء المستوطنات، لكنها أيضاً لم تشترط إستمرار المسيرة بوقف الإرهاب. وقد أعربت مصادر إسرائيلية عن إرتياحها من أن الصيغة الجديدة لم تتضمن الجملة التي تدعو إلى إخلاء المستوطنات التي تعرقل التواصل الإقليمي بين المدن الفلسطينية وتجميد البناء في المستوطنات. مع ذلك لم تنجح المحاولة الإسرائيلية بأن تضيف إلى الخطة جملة تشترط إستمرار المسيرة بوقف الإرهاب. واشتكت مصادر إسرائيلية من أن الخارطة لا تتضمن طلباً حاسماً بإقصاء عرفات(13).

ولم يتأخر تعقيب شارون على هذه الصيغة حين قال للقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي في 29/12/2002، "نستطيع أن نحيا مع المسودة الجديدة لـ"خارطة الطريق" الدولية لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.

بعد فوزه في الإنتخابات العامة في 28/1/2003، حاول شارون المناورة قدر المستطاع لصد "خارطة الطريق" الأمريكية. وذلك بالتمسك بخطاب بوش الأصلي. فالتقديرات التي وصلت إلى مسامع رئيس الحكومة شارون تدعو إلى عدم القلق، لأنه (حسب جهاز الأمن) ينظر إلى "خارطة الطريق" كنوع من الضريبة الكلامية التي ستنتهي بالتجميد كمثيلاتها من المبادرات الأمريكية السابقة. كما أن وزارة الخارجية أبلغته أن أمريكا ستكون مشغولة بالحرب على العراق، وبعد ذلك ستركز على الإنتخابات الرئاسية الأمريكية. الا أن شارون المرتاب في طبعه ليس مطمئناً، فهو يخشى أن تتغير الظروف ويقومون بعد ذلك بإجباره على الإنسحاب من المناطق الفلسطينية والمستوطنات.

تفسير شارون لخطة بوش مكون من جزئين

الأول: يتم فيه إلقاء العبء على الفلسطينيين المطالبين بوقف الإرهاب، وإطلاق النار وإستبدال قيادتهم وإجراء إصلاحات معمقة في الحكم الفلسطيني والأمن والأقتصاد والتربية والتعليم.

الثاني: يأتي دور إسرائيل التي تردد عليهم بتقديم تنازلات مثل الإنسحاب وتجميد المستوطنات، اللذان سيقودان إلى إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة وسيادة محدودة.

وقد طرح شارون ثلاث لاءات، لا للتفاوض في ظل إطلاق النار، لا للتفاوض مع عرفات، ولا للجداول الزمنية. وإذا تم إستيفاء هذه الشروط هناك ما يمكن التحدث حوله حسب رأيه(14).

جمود إلى حين إنتهاء الحرب

خلال الحرب الأمريكية على العراق، توقف الحديث عن "خارطة الطريق" بانتظار ما ستسفر عنه نتائج هذه الحرب، وبانتهائها وتحقيق انتصار أمريكي سريع في الحرب، عاد الحديث سريعاً عن خارطة الطريق، ويؤشر باستحداث منصب رئيس وزراء فلسطيني، وتكليف محمود عباس "أبو مازن" بتشكيل حكومة فلسطينية جديدة تمهيداً للدخول فوراً في تنفيذ الخطة الأمريكية.

في هذه الأثناء تكثفت الإتصالات الإسرائيلية - الأمريكية، حيث التقى وفد إسرائيلي برئاسة مدير مكتب شارون (دون فايسغلاس) بوزير الخارجية الأمريكي كولن باول، ومستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس، بهدف طرح التحفظات الإسرائيلية على "خارطة الطريق". كما توصلت إسرائيل والولايات المتحدة إلى تفاهم بشأن تطبيق خارطة الطريق، وقالت مصادر إسرائيلية "إن الأمريكيين قبلوا موقف إسرائيل القاضي بأن الإختبار المقرر للتقدم في خارطة الطريق سيكون عنصر التنفيذ وليس الجدول الزمني(15).

في الثلاثين من إبريل 2003، تلقى أرئيل شارون وأبو مازن خارطة الطريق في صيغة مشابهة لأخر مسودة للخطة التي عرضت في 20 ديسمبر 2002. وخلال زيارة كولن باول لإسرائيل في 11/5/2003، أوضح له شارون بأن إسرائيل تعارض بحزم تجميد البناء في المستوطنات لغرض الزيادة الطبيعية، كما تطالب خارطة الطريق، وقال شارون "إنني لا أسميها مستوطنات بل قرى ومدن يهودية"، وقال شارون "عليك أن تفهم أن بعض هذه القرى هي مدن كبرى، وأفضل فتياننا يسكنون هناك وهم جيل ثالث يساهمون في الدولة ويخدمون في وحدات عليا في الجيش(16).

تذبذبات شارون في إخلاء المستوطنات

في مقابلة مع هآرتس 13/4/2003، قال شارون: سنضطر إلى الإنفصال عن جزء من الأماكن التي نرتبط بها تاريخياً، بيت لحم، شيلو، بيت إيل، وكيهودي فإن هذا يعذبني ولكنني قررت عمل كل جهد ممكن للوصول إلى التسوية.

 وفي مقابلة مع معاريف في 16/4/2003، قال شارون، لم أقل أن بيت إيل وشيلو ستخليان، لم أقصد هاتين القريتين بالتحديد، جئت بهما كمثال على الأماكن المرتبطة بعرش ولادة الشعب اليهودي.

وفي مقابلة مع يديعوت أحرونوت  في 16/4/2003، قال شارون "المستوطنات تشكل عمقاً إستراتيجياً هو أمر هام في كل مكان، ولكن السلام الحقيقي يفترض تنازلات ويحتمل أن تكون هناك مستوطنات نضطر إلى إخلائها.

وفي مقابلة مع جيروسالم بوست في 13/5/2003، قال شارون "الإسرائيليون سيواصلون العيش في شيلو وبيت إيل تحت سيادة إسرائيلية، فهذه المناطق غير مرشحة للإنسحاب، مسألة إخلاء مستوطنات ليست في الأفق الآن.

لقاء أبو مازن - شارون

خلال لقاء شارون-أبو مازن في 17/5/2003، أوضح شارون لأبو مازن تصميمه على التقدم في المسيرة السلمية، لكن فقط بعد أن تتخذ السلطة الفلسطينية خطوات حقيقية لمكافحة الإرهاب ووقف العنف والتحريض. واقترح شارون على أبو مازن تبني نموذج غزة أولاً في صيغة أكثر تقلصاً. كما إقترح شارون على أبو مازن إستئناف الإتصالات بين الطرفين في عدة قنوات، في حين طلب أبو مازن من شارون إيضاحات حول تطبيق خارطة الطريق، كما طلب منه سلسلة تسهيلات عسكرية ومدنية كوقف التصفيات ووقف هدم المنازل ورفع الإغلاقات والأطواق(17).

وفي 21/5/2003، نقل السفير الأمريكي في إسرائيل دان كيرتسر، رسالة إلى وزير خارجية إسرائيل سلفان شالوم، دعا فيها إسرائيل إلى الإعلان عن تبني خارطة الطريق، كما أعلن الأمريكيون أن 12 من بين 14 ملاحظة إسرائيلية على خارطة الطريق مقبولة من جانبهم، لكنهم ردوا إثنتين من الملاحظات الأكثر أهمية لإسرائيل، وهي مطلب التنازل الفلسطيني عن حق العودة، والمطلب الإسرائيلي ألا تستند الخطة على المبادرة السعودية.

الحكومة تصادق على خارطة الطريق

في ختام ست ساعات من النقاش العاصف، اتخذت الحكومة الإسرائيلية في 25/5/2003، قراراً بالمصادقة على خارطة الطريق، الذي يعني إقامة دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، وقال رئيس الحكومة أرئيل شارون، بالنسبة إليّ هذا يوم صعب، "الدولة الفلسطينية ليست حلم حياتي ولكن في النظر إلى الأمام ليس عادلاً ولا صحيحاً مواصلة التحكم بـ3.5 مليون فلسطيني(18).

وقد صوت لصالح الخطة، 12 وزيراً وعارضها 7 وزراء، فيما إمتنع خمسة وزراء عن التصويت. وقبل التصويت قال شارون للوزراء "الوضع الذي وصلنا إليه هو القرار بين وضع لا بأس ووضع سيئ، وبين خلالهما بفضل إتخاذ القرار الذي إتخذناه اليوم. فهل إلى الأبد سنواصل البقاء في جنين؟، إن وضع إبقاء الجيش في المدن الفلسطينية هو وضع سيئ لإسرائيل(19).

الصيغة الكاملة لقرار الحكومة الإسرائيلية المصادقة على خارطة الطريق

(حسب يديعوت أحرونوت  25/5/2003)

أ- بحثت الحكومة في جلستها اليوم بيان رئيس الوزراء بشأن خارطة الطريق وملاحظات إسرائيل على شكل تطبيقها، وفي نهاية البحث قررت الحكومة بأغلبية الأصوات ما يلي:

- إستناداً إلى بيان الإدارة الأمريكية ليوم 23/5/2003، والتي تتعهد فيه الولايات المتحدة بمعالجة ملاحظات إسرائيل على خارطة الطريق بجدية وبشكل كامل عند تطبيق الخارطة، فقد أعلن رئيس الوزراء اليوم 23/5/2003، بأن إسرائيل توافق على قبول الخطوات المحددة في خارطة الطريق.

- تصادق الحكومة على بيان رئيس الحكومة وتقرر بأن كل وكامل الملاحظات الإسرائيلية التي قصدتها الإدارة الأمريكية في بيانها ستطبق عند تحقيق خارطة الطريق.

- صيغة الملاحظات التي نقلتها إسرائيل لمعاينة الإدارة في الولايات المتحدة مرفقة بالقرار.

ب- كما اتخذت الحكومة قراراً في مسألة اللاجئين كما يلي:

وافقت حكومة إسرائيل اليوم على الخطوات المحددة في خارطة الطريق، وحكومة إسرائيل تعرب عن أملها في أن تؤدي المسيرة السياسية التي ستبدأ بموجب خطاب الرئيس جورج بوش يوم 24/6/2002 إلى السلام والمصالحة بين إسرائيل والفلسطينيين. كما أن حكومة إسرائيل توضح بأنه سواء في سياق المسيرة السياسية أم بعدها فإن الرد على مسألة اللاجئين لن يتضمن إدخالهم وإسكانهم في نطاق دولة إسرائيل.

ملاحظات إسرائيل على خطة خارطة الطريق

* أن يعمل الفلسطينيون على منع الإرهاب وإحباط العمليات وحل البنى التحتية للإرهاب، وفقاً لخطتي تينت وزيني. ولا تفرض قيود على نشاطات الجيش الإسرائيلي ضد الإرهاب.

* التقدم في تطبيق الخطة لن يكون الا وفقاً لأداء الطرفين، وليس وفقاً لجداول زمنية.

* الدولة الفلسطينية ستقوم في حدود مؤقتة فقط بإتفاق مع إسرائيل، وفقط بعد الوقف المطلق للإرهاب وتغيير القيادة الفلسطينية. الدولة ستكون مجردة تماما من السلاح.

* يعلن الفلسطينيون بأن إسرائيل هي "دولة يهودية" (وهكذا يتنازلون عن حق العودة)، أو أن تلغي التصريحات الإبتدائية للطرفين.

* إنهاء المسيرة بإتفاق دائم يؤدي إلى إنهاء النزاع ووضع حد للمطالب المتبادلة.

* كل تسوية تتحقق في مفاوضات مباشرة بين الطرفين.

* لن يكون تدخل خارجي في مسائل الإتفاق الدائم.

* الخطة ستقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338 فقط، وليس على "المبادرة السعودية" (التي تدعو إلى إنسحاب إسرائيلي من كل المناطق).

* السلطة الفلسطينية تجتاز إصلاحاً شاملاً.

* الجيش الإسرائيلي ينتشر خارج مناطق السلطة وفقاً للظروف الأمنية.

* الدول العربية تساعد المسيرة وتعمل ضد الإرهاب(20).

 

شارون بعد قمة العقبة الثلاثية

بوش-أبو مازن-شارون في 4/6/2003

في الخطاب الذي ألقاه شارون في ختام القمة، تحدث عن إخلاء فوري لمواقع إستيطانية غير قانونية في المناطق، وحسب صيغة أقواله، خيل بأن قوات الإحتلال في الطريق لإزالة هذه المواقع بعد بضع ساعات، إلا أن شارون وفي حديث مع الصحافيين شرح قائلا، "إنتبهوا إلى ما قلته سنبدأ في إخلاء مواقع ولم أقل سنخليها جميعها في الحال"(21).

في جلسة مجلس الوزراء التي عقدت في 8/6/2003، قال شارون، إنه "لن يكون تقدم سياسي إلى أن تتوقف العمليات" ولكنه قال لمقربين بعد جلسة مركز الليكود: إنهم لن يحركوني (يقصد أعضاء الليكود). وأمام الكنيست وقف شارون في 17/6/2003، ولم يقل شيئاً فالتصويت على بيانه كان عديم القيمة، فشارون لم يعلن شيئاً بإستثناء الشعارات العادية "إسرائيل تحتاج إلى السلام، إسرائيل تريد السلام، شعب إسرائيل سيعيش هنا بسلام، سنطارد وننال من كل مبادري الإرهاب ومنفذيه في كل مكان، في كل زمان، حتى النصر"(22).

المراجع


(1) هآرتس، 26/6/2002.

(2) يديعوت أحرونوت -معاريف، 5/7/2002.

(3) يديعوت أحرونوت ، 9/8/2002.

(4) هآرتس، 13/8/2002.

(5) هآرتس، 2/10/2002.

(6) يديعوت أحرونوت ، 14/10/2002.

(7) يديعوت أحرونوت ، 15/10/2002.

(8) يديعوت أحرونوت ، 23/10/2002.

(9) يديعوت أحرونوت ، 28/10/2002.

(10) يديعوت أحرونوت ، 6/11/2002.

(11) يديعوت أحرونوت ، 16/11/2002.

(12) يديعوت أحرونوت ، 2/12/2002.

(13) معاريف- هآرتس، 24/12/2002.

(14) هآرتس، 29/1/2003.

(15) يديعوت أحرونوت ، 16/4/2003.

(16) يديعوت أحرونوت ، 12/5/2003.

(17) يديعوت أحرونوت، 17/5/2003.

(18) يديعوت أحرونوت ، 26/5/2003.

(19) يديعوت أحرونوت ، 26/5/2003.

(20) هآرتس، 25/5/2003.

(21) يديعوت أحرونوت ، 5/6/2003.

(22) معاريف، 17/6/2003.


الصفحة الرئيسية | مجلة المركز | نشرة الأحداث الفلسطينية | إصدارات أخرى | الاتصال بنا


إذا كان لديك استفسار أو سؤال اتصل بـ [البريد الإلكتروني الخاص بمركز التخطيط الفلسطيني].
التحديث الأخير:
16/01/2006 12:16 م