جذور الانقسام في إسرائيل

ميتلون فيوريست

نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط 28/11/2002

أجل، إنه لمن الصحيح ان اسرائيل ديمقراطية برلمانية، وانه لمن الصحيح ان الاسرائيليين يدعمون، على نحو ساحق، تسوية سلمية تستند الى اقامة دولة فلسطينية مستقلة. وعلى الرغم من المتطرفين الاسلاميين، ومنفذي التفجيرات الانتحارية، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وجد القائمون بعمليات الاستطلاع في البلاد الشهر الماضي ان 60 في المائة من الاسرائيليين كانوا يرغبون في استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، وان ما لا يقل عن 78 في المائة مستعدون للانسحاب من الاراضي المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتتوافق هذه الارقام مع نتائج الاستفتاءات خلال العقد الماضي. اذن لماذا لم يكن هناك سلام، ولماذا كان هناك القليل من الانسحاب من الاراضي؟ ولماذا استبدل تحالف رئيس الوزراء ارييل شارون، المشكل من حمائم حزب العمل المعارض وكذلك ممثلي الليكود اليمينيين، مؤخرا، بحكومة متطرفة لا ترفض المفاوضات فحسب، وانما الجهود السابقة لتسوية سلمية؟ يكمن الجواب في توليفة من الزعامة الضعيفة في حزب العمل، والتفاوض غير البارع من جانب الفلسطينيين، وتخلي واشنطن عن دورها كوسيط، وحسابات السياسيين الطموحين والتأثير المؤذي للارهاب على النفسية الجماعية لاسرائيل. ولكن، هناك ايضا، شيء ما أعمق وأكثر قسوة: انقسام الوحدة اليهودية الاوروبية قبل قرنين، وهو ما ادى الى الاجنحة السياسية المتباعدة التي تقف عائقا امام السلام حاليا. ومن أجل فهم الكيفية التي حدث بها هذا الامر، من المهم ان نتذكر ان اليهود، بعد تشتتهم وتفرقهم في عالم معاد في القرن الاول، تبنوا موقفا دفاعيا، محافظين على هويتهم عبر التجمع حول حاخاماتهم في جاليات مغلقة عرفت تاريخيا بـ «الغيتو». وكانت تلك هي الحياة التي عاشوها في المنفى لما يقرب من 17 قرنا. ولم يأت التغيير الا بعد ان زاد سكان اوروبا اليهود من مليون عام 1600 إلى احد عشر مليوناً بحلول عام 1800. وبقدر ما حاول الحاخامات دعم الغيتو، تناثر يهود أوروبا من أجل أن يعيشوا ويعملوا بين غير اليهود.وكان ذلك خلال العصر الذي سمي عصر التنوير، عندما حل الانسان محل الرب في محور الكون، وعندما تفوق العلم على الوحي الديني في تفسير اسرار الحياة، وعندما فقد رجال الدين سلطتهم الخاصة، واصبح الدين مسألة خيار فردي. وكان اليهود، الذين لم تمسهم موجات المثقفين السابقة في أوروبا يواجهون العذاب بسبب هذه الافكار. فبينما بقيت اقسام من الجالية متدينة على نحو راسخ ومخلص، تبنى آخرون نظرة علمانية. وكان كثيرون يتحدثون عن تحديث اليهودية، بينما هجر عدد قليل الدين كلية. وبحلول القرن التاسع عشر كانت اليهودية، شأن المسيحية، قد انقسمت إلى طوائف: الارثوذكسية التي رفضت الافكار الجديدة باعتبارها بدعة وهرطقة، وقاومت التخلي عن حقها في التفوق الديني. وبحلول ذلك الوقت، كان عصر التنوير قد كشف، ايضا، عن جانب سفلي مقيت. فقد اضفى نابليون عليه نزعة قومية متطرفة مسعورة، اضاف اليها آخرون نزعة عنصرية استكملت نزعة معاداة السامية ذات الجذور المديدة في اللاهوت المسيحي. وفي العقود التالية جرى تشويه افكار تشارلز داروين حول الارتقاء، وهو ثمرة أخرى من ثمار التنوير، من أجل خلق مبرر علمي بشأن التبعية اليهودية. وفي بداية القرن العشرين كانت الآمال بمستقبل يهودي يستند الى الحرية والمساواة قد انغمرت بما ينذر بشر. وكان رد فعل بعض اليهود قد تمثل في اقامة الصهيونية، وهي حركة علمانية كان هدفها توفير ملاذ لليهود المعرضين الى مخاطر محدقة. ولكن اليهود لم يتوحدوا، ثانية، حول الصهيونية. فقد صورتها الارثوذكسية، الملزمة باعتقاد أن المسيح المخلّص وحده يمكن ان يعيدهم، ثانية، الى الارض المقدسة، باعتبارها ليست أكثر من واحد من سموم التنوير. ونظر كثير من اليهود الاصلاحيين والمحافظين اليها باعتبارها متعارضة مع الوحدة اليهودية نحو المجتمع الاوسع. وظهر اتجاه صهيوني سمي النزعة الاصلاحية، يعتمد على الجناح النابليوني في التنوير للتأكيد على دولة يهودية متطرفة وتوسعية. وكان هناك اتجاه آخر عرف بالصهيونية الدينية، وافق على حاجة اليهود الى ملاذ، ولكنه أكد على ضرورة ان تدار الدولة اليهودية بقانون ديني. وكل هذه القوى ـ وقوى أخرى غيرها ـ ما تزال حية في اسرائيل، وغالبا ما تقدم، على نحو حاد، ادعاءاتها، وتقوض استقرار الدولة الديمقراطية. وقاد حزب العمل، السليل المباشر لمؤسسي الصهيونية العلمانيين، الطريق الى اقامة دولة يهودية تستند الى ممارسات ديمقراطية وقانون مدني. وقدم، ايضا، زعامة لسلسلة من الحروب الناجحة، أكثرها أهمية حرب الاستقلال عام 1948، وحرب الايام الستة عام 1967، التي ادت الى مأزق الاراضي المحتلة. وفي العقود الاخيرة فقد العمل الكثير من دعم الناخبين، ولكنه، بدعم من عدد من الاحزاب العلمانية ذات الآيديولوجيات المختلفة عنه قليلا، يواصل النشاط على رأس الحملة من أجل اتفاق سلام مع العرب يستند الى الانسحاب من الاراضي. أما الليكود فهو حزب النزعة الاصلاحية، وريث الجناح النابليوني في حركة التنوير. وقد زادت قوة الليكود، الذي ظل اقلية لفترة طويلة، عبر رفض اعادة الاراضي بعد حرب الايام الستة. وبدون آيديولوجية دينية، اظهر شيئا من الاستعداد للمساومة، وكان المثال الاكثر دراماتيكية على ذلك الجلاء عن سيناء عام 1979 مما ادى الى اتفاق سلام مع مصر. ولكنه كحزب اقلية يعتمد، الى حد كبير، على قوى اسرائيل الدينية من أجل تحقيق غاياته المرتبطة بالأرض. وتشارك الجماعة الارثوذكسية في اسرائيل بنشاط في القضايا العلمانية، على الرغم من انها ما تزال، من الناحية النظرية، ترفض الدولة الصهيونية باعتبارها هرطقة. واذ منحت السلطة القضائية عند تأسيس اسرائيل بشأن أمور شخصية مثل الزواج والطلاق، فإنها تستخدم قوتها لتوسيع سلطتها في الحياة اليومية، ورفض الاعتراف بخصومها الاصلاحيين والمحافظين. وبجذورها الممتدة في التقاليد وتحالفاتها السياسية، فإن نفوذ الارثوذكسية اكبر بكثير مما تشير اليه اعداد المنتمين اليها. وتتزايد النزعة اليهودية الاصلاحية والمحافظة، بدعم من اليهود الاميركيين، قوة في الجماعة العلمانية في اسرائيل. ولكنها بدون الاحزاب لا تتمتع بقوة من الناحية السياسية، الامر الذي يرغمها الى العودة الى المحاكم بدل البرلمان في محاولاتها من أجل الوصول الى المساواة مع الارثوذكسية المحصنة. ان الصهيونية الدينية، التي ظلت لفترة طويلة ملحقا بالصهيونية العلمانية، حققت قوة كبيرة بعد حرب الايام الستة، عندما خلقت حماسا غير متوقع لتعزيز التعاليم التي تقضي بأن الله أمر اسرائيل بالابقاء على الاراضي المحتلة الى الأبد. وأظهرت الصهيونية الدينية، التي تشكل العمود الفقري لحركة المستوطنين، التي اسكنت 450 الف يهودي في الاراضي التي احتلت عام 1967، ازدراء للقانون المدني، واعاقت كل جهد يهدف الى مبادلة الارض بالسلام. وعندما اقترح رئيس الوزراء اسحق رابين عام 1994 اخلاء احدى المستوطنات كجزء من اتفاقيات اوسلو قرر الحاخامات الصهاينة المتدينون ان خطته تنتهك القانون اليهودي، ومنعوا الجنود من تنفيذها. واذ واجه امكانية اندلاع حرب اهلية يهودية تراجع رابين، قبل ان يقوم شاب متعصب باغتياله مدعيا، انه ينفذ ارادة الرب. واضافت الصهيونية الدينية، بتهديد البلاد بحرب أهلية، كثيرا الى سلطتها لغرض رؤيتها في ما يتعلق بالاراضي. ومن أجل استكمال البانوراما السياسية من الضروري الاشارة الى جماعتين أخريين. احداهما شاس، أكبر حزب ديني في اسرائيل، حقق نسبة بلغت حوالي 13 في المائة من الاصوات في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة. وهو يدعي تمثيل ما يقرب من مليونين من السفارديم، الذين عاشوا قرونا عدة معزولين في العالم العربي، ولم تكن لهم اية صلة بعصر التنوير. اما الجماعة الاخرى، التي يبلغ قوامها مليوناً، فتضم اليهود الذين جاءوا حديثا من روسيا، حيث القيصرية، ومن ثم الشيوعية، ابطلت تأثير التنوير. وقد اضافت الجماعتان، وكلتاهما متشددتان بشأن السلام، عددا كبيرا من الانصار الى تحالف الليكود مع الجماعات الدينية. وهكذا فإن ظلال التنوير تحوم فوق اسرائيل، لتضفي عليها سمة سياسية مختلفة عن تلك السمة التي تميز الديمقراطيات الغربية الاخرى. لقد اخفق الاسرائيليون، الذين لم يدفنوا ابدا القضايا التي طرحها عصر التنوير، في ان يتكيفوا مع التنوع الذي خلقته هذه القضايا. وعلى الرغم من ان اغلبية تدعم الانسحاب من الاراضي، فإن اغلبية اكبر تعطي اولوية لمثلها الدينية والاجتماعية. ونادرا ما يتنازع الاسرائيليون العاديون على قضايا عادية مثل الاقتصاد أو البيئة. انهم يتصارعون بشأن تعريف الدولة اليهودية والمجتمع اليهودي. وهم يختلفون بشأن النظرة العالمية، وعلى نحو ادق بشأن تلك النظرة التي ستفلح في الهيمنة على الثقافة ككل. ان الدولة اليهودية، في الوقت الحالي، أكثر تمزقا مما كانت عليه عند تأسيسها، والخروج من هذه الحالة يتطلب، ابتداء، ان يصغي الاسرائيليون الى بعضهم البعض باهتمام واحترام. والا فإنه من الصعب ان يسمع المرء شيئا وسط الضجيج.


الصفحة الرئيسية | مجلة المركز | نشرة الأحداث الفلسطينية | إصدارات أخرى | الاتصال بنا


إذا كان لديك استفسار أو سؤال اتصل بـ [البريد الإلكتروني الخاص بمركز التخطيط الفلسطيني].
التحديث الأخير:
16/01/2006 12:16 م