حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية

 

معين الطناني

 أولاً: منظمة التحرير الفلسطينية[1]

النشأة

انعقد مؤتمر القمة العربية الأول في القاهرة في 13/1/1964، استجابة لدعوة الرئيس جمال عبد الناصر، لمواجهة الموقف الخطير الناجم عن عزم إسرائيل تحويل نهر الأردن. وقرر الرؤساء والملوك العرب في هذا المؤتمر العمل من أجل إبراز الكيان الفلسطيني وتجسيده، وكلف المؤتمر أحمد الشقيري ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية الاتصال بأبناء فلسطين لهذه الغاية والعودة بنتيجة اتصالاته إلى مؤتمر القمة العربي الثاني.

قام أحمد الشقيري بجولة زار خلالها الدول العربية واتصل بأبناء فلسطين في أماكن تجمعهم. وضع الشقيري أثناء هذه الجولة مشروعاً لميثاق فلسطيني ونظام أساسي أطلق عليه اسم منظمة التحرير الفلسطينية. وتقرر عقد مؤتمر فلسطيني عام. واختار الشقيري اللجان التحضرية للمؤتمر في جميع البلاد العربية المضيفة للفلسطينيين. وقامت هذه اللجان بإعداد قوائم المرشحين لعضوية المؤتمر الفلسطيني في مناطقها. وعين الشقيري لجنة عليا سماها "لجنة التنسيق" للتنسيق بين قوائم المرشحين من مختلف البلاد وإعداد القائمة النهائية بأسمائهم، وكان بين هؤلاء أعيان ووزراء ونواب ورؤساء بلديات وأعضاء مجالس قروية في الضفة الغربية، وأعضاء المجلس التشريعي في قطاع غزة ورؤساء الغرف التجارية، وممثلون عن مختلف المهن والاتحادات، وممثلون عن المغتربين وأبناء المخيمات.

المؤتمر الفلسطيني الأول ( القدس 28/5-2/6/1964 )

انعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس صباح 28/5/1964، وقرر ما يلي:

1-    قيام منظمة التحرير الفلسطينية.

2-    المصادقة على الميثاق القومي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

3-    المصادقة على النظام الأساسي، واللائحة الداخلية للمجلس الوطني والصندوق القومي.

4-    انتخاب السيد أحمد الشقيري رئيساً للجنة التنفيذية وتكليفه باختيار أعضاء اللجنة التنفيذية، وعددهم 15 عضواً.

5-    يصبح المؤتمر بكامل أعضائه، أي 398 عضواً، المجلس الوطني الفلسطيني الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية.

أعضاء اللجنة التنفيذية

بعد شهرين من قيام منظمة التحرير الفلسطينية، قام رئيسها بتسمية أعضاء اللجنة التنفيذية، وقد ضمت اللجنة كلاً من: قاسم الريماوي، عبد الرحمن السكسك، فاروق الحسيني، فلاح الماضي، وليد قمحاوي، عبد المجيد شومان، بهجت أبو غربية، نقولا الدر، عبد الخالق يغمور، حامد أبو ستة، حيدر عبد الشافي، وقصي العبادلة. وعقدت اللجنة أول اجتماع لها في القدس في 25 أغسطس 1964. وبدأت مسيرة العمل الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الخطوات الأولى من عملها شبه المستقل عن الدول العربية.

المؤسسات

 عملت منظمة التحرير الفلسطينية بعد المؤتمر الفلسطيني الأول على إقامة عدد من المؤسسات منها الصندوق القومي الفلسطيني ودوائر مختلفة تابعة لها، مثل الدوائر السياسية ودوائر الأراضي المحتلة وغيرها.

وكان أبرز ما اضطلعت به م.ت.ف هو تشكيل ما أصبح يعرف باسم "جيش التحرير الفلسطيني". فبعد مؤتمر القمة الثاني الذي انعقد في آب 1964 أخذ الشقيري موافقة الزعماء العرب على تأسيس وحدات عسكرية فلسطينية في الدول العربية المحيطة بفلسطين، كذلك في العراق، على أن تكون تابعة للقيادة العربية الموحدة التي تم تشكيلها في المؤتمر. ومع أن هذا الترتيب قد أعطى المسؤولية عن جيش التحرير للدول العربية وليس لـ م.ت.ف عن الوحدات الفلسطينية، فإن الشقيري استغل موافقة مصر وسوريا والعراق على تشكيل وحدات فلسطينية فوق أراضيها ليسارع إلى وإنشاء جيش التحرير الفلسطيني، الذي منحه 90% من ميزانية المنظمة.

ومع نهاية عام 1965، أصبح جيش التحرير حقيقة قائمة، وبدأت معسكرات التدريب والكليات الحربية في تخريج الدفعات الأولى من المقاتلين.

وإلى ما قبل حرب 1967 تم انعقاد مؤتمرين للمجلس الوطني الفلسطيني، الأول في القاهرة 4/6/1965، والثاني في غزة في 24/5/1966.

التطورات بعد حرب 1967

نتيجة تنامي قوة تنظيمات المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبخاصة بعد حرب 1967، فرضت التطورات إحداث تغيرات في البنية التقليدية للمنظمة، حيث ما لبث رئيس اللجنة التنفيذية أحمد الشقيري أن قدم استقالته في 24/12/1967، وتم تعيين يحيى حمودة رئيساً بالوكالة للجنة التنفيذية. وبدأت الاتصالات لعقد المؤتمر الرابع للمجلس الوطني الذي انعقد في 10/7/1968 في القاهرة، حيث تم تسمية غالبية أعضائه من منظمات المقاومة الفلسطينية. بدأت اللجنة التنفيذية في مطلع عام 1968، اتصالاتها مع "فتح" و"الجبهة الشعبية" لتحقيق الوحدة الوطنية تمهيداً لعقد المجلس الوطني الفلسطيني الرابع. وتألفت لجنة تحضيرية من م.ت.ف تضم أربعة أشخاص برئاسة يحيى  حمودة وعضوية بهجت أبو غربية ونمر المصري ووجيه المدني، مهمتها الاتصال مع فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والبحث معها في الوحدة الوطنية. وبعد عدة اجتماعات تم الاتفاق على إعادة تشكيل المجلس الوطني بحيث يضم مائة عضو موزعين على كل المنظمات الفدائية تمهيداً لدخولها في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولتوليها فيما بعد قيادة المنظمة.

تعديل الميثاق[2]

تم تعديل الميثاق وإضافة مواد جديدة، أهمها:

1-    تعديل اسم الميثاق من الميثاق القومي إلى الميثاق الوطني.

2-    النص على أن العمل المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين.

3-    حذف النص الذي كان يقول بأن المنظمة لن تمارس السيادة على الضفة الغربية وغزة ومنطقة الحمة.

4-    إضافة أن الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول والأصلي في تحرير وطنه ورفض كل أشكال الوصاية والتبعية.

5-    النص على أن الشعب الفلسطيني يرفض كل الحلول البديلة عن تحرير فلسطين "التاريخية" تحريراً كاملاً.

6-    تعديل المادة الخاصة باليهود، بحيث أصبحت تنص على أن اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني يعتبرون فلسطينيين.

واستكمالاً للتطورات الذي حدثت في بنية المنظمة، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني الخامس في القاهرة في 1/2/1969، حيث كان من أبرز قراراته هو انتخاب الأخ الرئيس ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية وتكليفه بتشكيل اللجنة.

وقد انعقد بعد ذلك عدة مؤتمرات على نحو سنوي تقريباً، لم تصدر عنها قرارات مهمة، باستثناء قرار تشكيل مجلس مركزي يكون بمثابة حلقة الوصل بين المجلس الوطني واللجنة التنفيذية في حالة تعذر انعقاد المجلس الوطني، واتخاذ القرارات نيابة عنه.

غير أن قيام حرب تشرين 1973 فرضت تطورات جديدة، حيث انعقد المجلس الوطني الثاني عشر في القاهرة في 1/6/1974، جرى فيه بعد مناقشات مكثفة وعسيرة إصدار برنامج سياسي مرحلي، المعروف ببرنامج النقاط العشر الذي ينص على إقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي شبر يتم تحريره من الوطن، وذلك في محاولة لتمهيد الطريق للاشتراك في مؤتمر جنيف الدولي الذي كان مقرراً انعقاده بعد حرب تشرين. وقد انسحبت بعض المنظمات في مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من اللجنة التنفيذية، على أساس أن البرنامج يشكل خروجاً على الميثاق الوطني والقرارات السابقة.

ومنذ ذلك الحين انعقدت عدة مؤتمرات فلسطينية تضمنت على الرغم من عدم مشاركة م.ت.ف في مؤتمر جنيف قرارات على غرار النقاط العشر، والتي اعتبرت منذ ذلك الحين، بداية توجه م.ت.ف نحو الحلول السياسية.

وقد عطل الاجتياح الإسرائيلي لمقرات م.ت.ف في بيروت عام 1981 النشاط الفلسطيني وانعقاد مؤتمر المجلس الوطني، حيث انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في عمان في عام 1985 في ظروف بالغة الدقة والتعقيد، نظراً لما سبق من حدوث انشقاق في السلطة الفلسطينية وفي داخل ذاتها بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، حيث سعت المعارضة بعد ذلك إلى تشكيل مجلس وطني وقيادة جديدة ضد ياسر عرفات. غير أن المجلس تمكن من تحقيق النصاب واتخذ قرارات قوية للتقدم على طريق التسوية السياسية على أرضية القرار 242.

وقد شهد النصف الثاني من الثمانينات تحركات سياسية نشيطة باتجاه التسوية السياسية، وكانت أبرز هذه التحركات على الصعيد الفلسطيني، هو انعقاد المجلس الوطني التاسع عشر في الجزائر في 12/11/1988، الذي صدر عنه إعلان الاستقلال الفلسطيني والبيان السياسي الذي اعترف بالقرارين 242 و338 والذي شمل قيام دولة فلسطينية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وفي ضوء حرب الخليج والتطورات في عام 1990 وانعقاد مؤتمر مدريد في عام 1991، لم تنعقد مؤتمرات للمجلس الوطني الفلسطيني إلا في 24/4/1996 في غزة، الذي اتخذ فيه قرار تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني، بحيث يتلاءم مع متطلبات اتفاق أوسلو، ومنذ ذلك الحين لم ينعقد المجلس الوطني الفلسطيني حتى الآن.

الانجازات

-      يتمثل أهم انجاز لـ م.ت.ف في نجاحها في تشكيل قيادة سياسية معترف بها دولياً للشعب الفلسطيني، بحيث أصبح للشعب الفلسطيني كينونة سياسية دولية تدعم حقه في الاستقلال والسيادة.

-      إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22/11/1974، القرار 3236، الذي منح منظمة التحرير صفة مراقب وأصبح من حقها أن تشترك في مناقشة بنود جداول الأعمال وتبدي آراءها فيها، وتتمتع بالحقوق التي تتمتع بها الدول الأعضاء باستثناء حق التصويت والانتخاب وتقديم مشاريع القرارات.

-      اتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1988 قراراً بتغيير اسم (وفد منظمة التحرير الفلسطينية إلى (وفد فلسطين). وفي عام 1989 اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بحق المنظمة في إقامة دولة فلسطينية.

-      اتخاذ الأمم المتحدة في تموز عام 1998 قراراً برفع الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة، بحيث تكون أقل قليلاً من ممثل دولة، وسمح هذا القرار للمنظمة بحضور اجتماعات مجلس الأمن وتقديم التوصيات بشأن الأمور ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية.

-      تشكل م.ت.ف أعرق حركات التحرير الوطنية وأكبرها في العالم. ومنذ عام 1988 تعتبر م.ت.ف ولجنتها التنفيذية بمثابة حكومة لدولة في قيد التكوين، حيث اعترف بالدولة الفلسطينية ما يزيد على 150 دولة في العالم.

-      تمكنت م.ت.ف من الاستمرار على الرغم من التحديات الداخلية والاقليمية العربية والدولية التي تعرضت لها واستطاعت أن تنتشل القضية الفلسطينية من النسيان وتحويلها مع مرور الأيام إلى أخطر قضية ليس على صعيد المنطقة العربية فحسب وإنما على الصعيد العالمي.

-      صادق المجلس المركزي على اتفاق إعلان المبادئ- أوسلو في عام 1993 نظراً لتعذر انعقاد المجلس الوطني.

التحديات

-      أكبر التحديات التي تتعرض لها م.ت.ف في الوقت الراهن هو مجال الوحدة الوطنية، وتلك مسألة شائكة واكبت مسيرة المنظمة منذ تأسيسها.

-      أكبر التحديات على الصعيد السياسي هو تمكنها في التوصل إلى تسوية تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على الأراضي المحتلة عام 1967.

ثانياً: حركة المقاومة الإسلامية "حماس"[3]

النشأة

يمثل الحديث عن نشأة حركة حماس اشكالاً كبيراً من حيث التوقيت الزمني لهذه النشأة، فحماس التي ولدت عملياً مع بداية الانتفاضة الفلسطينية، وبالتحديد بتاريخ 14/12/1987، تطرح نفسها من خلال بعدها الزماني والمكاني كما ورد في المادة الخامسة من ميثاقها "بأن بعد الحركة يمتد إلى مولد الرسالة الإسلامية والسلف الصالح".

كما أن إعلان حماس أنها "جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي"، يطرح تساؤلاً كبيراً في إطار البعدين الزماني والمكاني للحركة.

وقد يكون تتبع نشأة الحركة الإسلامية الخاصة بالإخوان المسلمين في فلسطين وتحديد مدى أهمية ارتباطها بحركة حماس مفتاحاً لحل هذه الإشكالية المتعلقة بنشأة حركة حماس.

الإخوان المسلمون في فلسطين

تعود بدايات جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين إلى أواسط الثلاثينات وقد بدأ تشكيل بنائها التنظيمي في عام 1946، عندما أنشأت لها عدة فروع في مدن وقرى مختلفة كان أولها مدينة القدس.

وأدى احتلال إسرائيل لما تبقى من الأراضي الفلسطينية عام 1967 إلى انحسار الحركة. ومع بداية السبعينيات تم العمل على إعادة بناء الحركة من أجل تحقيق هدفها المتعلق بالدعوة من أجل بناء الفرد المسلم وصولاً إلى الأسرة المسلمة، على طريق تحقيق المجتمع المسلم، الذي سيؤدي إلى تحقيق الهدف العام للإخوان وهو الدولة المسلمة.

وبدأ القادة من أمثال الشيخ أحمد ياسين وعبد الفتاح دخان ومحمد شمعة من إعادة بناء الهيكل التنظيمي للإخوان المسلمين، وتم تأسيس المجلس الإسلامي عام 1973 ومنح ترخيصاً من قبل السلطات الإسرائيلية كجمعية عثمانية عام 1979. وضمت المجموعة الأولى التي أسست المجمع كلاً من أحمد ياسين، سليم شراب، أحمد دلول، إسماعيل أبو العوف، أسعد حسنية، مصطفى عبد العال، عبد الحي عبد العال، لطفي شبير، يعقوب أبو كويك، أحمد أبو الكاس، وآخرين. وكانت الشخصية المركزية بين هؤلاء هي شخصية الشيخ أحمد ياسين، الذي تم اختياره من قبل عدد من قيادات الإخوان.

استطاعت أحداث الانتفاضة الأولى أن تخرج قادة المجمع عن المألوف باتخاذهم قراراً بالمشاركة في أحداث الانتفاضة المتعلقة بمواجهة قوات الاحتلال.

ففي أواخر شهر كانون أول 1987، توصل الشيخ ياسين إلى استنتاج بأنه لم يبق لديه خيار سوى الاستجابة لتوسلات وإلحاح رجاله والسماح لهم بالانتقال من التربية والوعظ إلى النضال القومي النشط الفعال. وفي شهر شباط أمر بتشكيل جهاز سري جديد تماماً في الحركة عرف باسم (حماس) وهي الأحرف الأولى للكلمات العربية حركة المقاومة الإسلامية. وكان هذا القرار يشكل انحرافاً حاداً عن سياسية الإخوان المسلمين الحذرة والمحافظة.

المؤسسات

عملت حركة حماس على إنشاء العديد من المؤسسات لتقديم الخدمات للمواطنين وكان أهمها:

1-    الجامعة الإسلامية، التي أنشئ أول فصل دراسي فيها في غزة عام 1979.

2-    المسجد.

3-    الجامعات والمعاهد العليا.

4-    المؤسسات الاقتصادية.

5-    المؤسسات الخدماتية.

6-    المؤسسات الصحية.

7-    المؤسسات الرياضية.

8-    المؤسسات النسوية.

الميثاق

ميثاق حركة حماس هو من أهم المراحل التي تسهل على الكاتب والقارئ فهم هذه الحركة، فميثاقها هو الذي يوضح معالمها ويضع تشكيلها في الإطار الصحيح للصورة التي نستطيع من خلالها فهم هذه الحركة وتوضيحها للجماهير.

وقد تناولت المادة السابعة والعشرون علاقة حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية وقد جاء فيها: "منظمة التحرير الفلسطينية من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية، ففيها الأب أو الأخ أو القريب أو الصديق، وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه، فوطننا واحد ومصابنا واحد وعدونا مشترك... فموقف حركة المقاومة الإسلامية من منظمة التحرير هو موقف الإبن من أبيه والأخ من أخيه والقريب من قريبه، يتألم لألمه إن أصابته شوكة ويشد أزره في مواجهة الأعداء ويتمنى له الهداية والرشاد".

وقد يؤخذ على ميثاق حماس عدم وضوحه في تحديد العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، فهو لم يعترف صراحة بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني كما تطرح المنظمة نفسها وكما تقر لها بذلك جامعة الدول العربية والأمم المتحدة. وفي نفس الوقت حدد الميثاق العلاقة بأنه علاقة حميمة لا تخرج عن إطار علاقة الإبن بأبيه والأخ بأخيه.

حماس والمنظمة

خضع الطرفان في علاقتهما إلى الفلسفة التي انتهجاها، ولما كانت هذه الفلسفة متباينة ومختلفة في طبيعتها الفكرية والعملية، حيث تبنت منظمة التحرير فكرة الدولة العلمانية واتخذت الكفاح المسلح وسيلة لمواجهة الاحتلال، بنما تبنى الإخوان النهج الإسلامي كفكرة- الذي يختلف عن العلمانية كفكرة - واعتمد على التربية والإعداد وسيلة.

مع انطلاقة الانتفاضة الأولى ظهرت حالة التوتر بين حماس وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، التي اتخذت لنفسها إطاراً جديداً هو (القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة) حيث سعى كلا الجانبين من طرفه إلى تأكيد أسبقيته وأولويته في قيادة الانتفاضة من خلال البيانات التي كانت تصدر عن الجانبين.

منظمة التحرير الفلسطينية وفي محاولة لتوحيد الصف الفلسطيني وتجاوزاً للخلافات التي قد تحدث، دعت حماس للمشاركة في إطار القيادة الوطنية الموحدة، وكانت منظمة التحرير تسعى بكل جهدها إلى إدراج حماس ضمن صفوفها من أجل ترتيب البيت الفلسطيني وتوحيد الجهود لمواجهة الاحتلال، بدلاً من الدخول في خلافات وصراعات جانبية. وقد وجه في هذا السياق رئيس المجلس الوطني الفلسطيني دعوة رسمية لحركة حماس للمشاركة في أعمال اللجنة التحضيرية للمجلس مع بداية عام 1990، حيث كانت المنظمة تستعد لعقد دورة جديدة للمجلس الوطني في العام المقبل، حماس رفضت المشاركة في اللجنة وأرسلت عوضاً عن ذلك مذكرة بتاريخ 7/4/1990 تحدثت فيها عن شروط دخولها للمنظمة ومشاركتها في المجلس الوطني بـ "أن يتم انتخاب أعضاء المجلس لا تعيينهم، وفي حالة تعذر الانتخابات يتعين أن يعكس التشكيل الجديد للمجلس أوزان القوى السياسية الموجودة على الساحة وحددت وزنها من 40% إلى 50%".

بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية إثر اتفاق أوسلو كانت حماس قد بدأت مرحلة جديدة في علاقتها مع منظمة التحرير، حيث أصبحت الآن قيادة منظمة التحرير وعدد كبير من عناصرها موجودة داخل الأراضي الفلسطينية التي انسحبت منها إسرائيل، وحيث أن حماس كانت ترفض اتفاق أوسلو، فبالتالي رفضت الدخول والمشاركة في السلطة الوطنية الفلسطينية، وظلت ترفع خيار المقاومة ضد الاحتلال.

ورغم أن العلاقة التي بين حماس والسلطة كان يسودها التوتر في معظم الأحيان، إلا أن هذا لم يمنع من وجود عناصر قيادية في حماس سعت مع عدد من شخصيات السلطة الوطنية والمسؤولين وعدد من قيادات حركة فتح إلى إيجاد قنوات مشتركة لتجاوز أي أحداث قد تطرأ، بمعنى البحث عن نقاط الإلتقاء وتعزيزها ومحاولة تجاوز نقاط الخلاف والابتعاد عنها.

وقد تطورات العلاقة إيجابياً بشكل كبير وبلغت حد التنسيق المشترك بين الطرفين في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي إثر اندلاع أحداث انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000.

فخلال أكثر من عشرين عاماً كانت العلاقة بين الطرفين هي علاقة المنافسة والندية، ولم تشهد هذه العلاقة تطوراً إيجابياً يدلل على التناغم والفهم والتقارب بين الطرفين مثلما حدث خلال انتفاضة الأقصى.

فهل ستبقى هذه العلاقة متطورة وتحافظ على ما وصلت إليه؟! أم أنه بالإمكان تطويرها أكثر بمشاركة حماس في السلطة؟! أم أنها ستعود لا سمح الله إلى سابق عهدها بين مد وجزر؟!.

الحكومة العاشرة[4]

استطاعت حركة حماس عبر الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 25/1/2006 تحقيق نجاح منقطع النظير، إذ انتقلت هذه الحركة مرة واحدة من المعارضة إلى السلطة ومن مكانة التنظيم الثاني إلى مكانة التنظيم الأول (بدلاً من حركة فتح)، ومن موقع الخارج عن الشرعية إلى موقع الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني. فقد حصلت الحركة على 74 مقعداً 56% من مقاعد المجلس التشريعي الـ 132 مقعداً، في حين حصلت حركة فتح على 45 مقعداً 34%.

وبغض النظر عن الأسباب الداخلية والخارجية لهذا الانقلاب في النظام السياسي الفلسطيني (عبر صناديق الاقتراع)، فإن حماس باتت معنية بأسئلة ما بعد الفوز، أي بالتحديات والتبعات الداخلية والخارجية أيضاً التي يرتبها عليها موقعها الجديد في قيادة السلطة، وربما في قيادة الساحة الفلسطينية.

وشرعت حركة حماس فور تكليف الرئيس محمود عباس، النائب إسماعيل هنية الذي سمته الحركة رئيساً للوزراء، في المشاورات مع الفصائل والكتل البرلمانية للدخول في الحكومة الفلسطينية الجديدة، إلا أن تلك المشاورات وصلت إلى طريق مسدود لعدم الأخذ بورقة الملاحظات التي تقدمت بها الكتل البرلمانية حول برنامج الحكومة في 15/3/2006، حيث رأت الورقة أن برنامج الحكومة الفلسطينية الجديدة يجب أن يستند على وثيقة الاستقلال والقانون الأساسي وقرارات الشرعية الدولية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقانون الأساسي وقرارات الشرعية الدولية، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وضرورة التزام الحكومة القادمة بالاتفاقيات التي وقعت مع منظمة التحرير الفلسطينية ورفض الحلول أحادية الجانب.

حركة حماس كونها على رأس الحكومة معنية على الصعيد الذاتي والداخلي بتكييف ذاتها للتعامل بمرونة ومسؤولية وجدية مع التحديات المهمة التي تواجهها، من بينها التعاطي مع واقع منظمة التحرير الفلسطينية، فثمة مشكلة تتعلق أولاً بكونها تعمل من خارج مؤسسات المنظمة. وثانياً، بحكم هيمنة فتح على المنظمة. هكذا... ثمة نوع من الفيتو من قبل حركة فتح على قيادة حماس وتوجهاتها السياسية في المؤسستين القياديتين (رئاسة السلطة ورئاسة المنظمة) حيث يترأس الرئيس محمود عباس هذين الإطارين القياديين.

والمعلوم أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجعية القيادية للسلطة، وهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهي بمثابة الرمز الموحد للفلسطينيين والمعبر عن قضيتهم. وبدون دخول حماس إلى المنظمة وعكس واقعها القيادي الجديد عليها، من الصعب إدارة الوضع الفلسطيني أو التحكم بتوجهاته السياسية أو تكريس ذاتها باعتبارها قائد للشعب الفلسطيني.

وبعد أن حمل رئيس الوزراء المكلف إسماعيل هنية إلى لقائه مع الرئيس محمود عباس مساء 19/3/2006 تشكيلة من 24 وزيراً، أكد الرئيس أن الحكومة المقترحة ستعرض على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية للإطلاع عليها. وتمت المصادقة عليها من قبل الرئيس عباس في 25/3/2006، وتم عرضها على المجلس التشريعي ومنحت الثقة بأغلبية 71 صوتاً مقابل معارضة 36 صوتاً وامتناع نائبين وكان ذلك في 28/3/2006.

وبنيلها ثقة الأغلبية في المجلس التشريعي، وبأدائها القسم القانوني أمام الرئيس، ووفقاً للقانون الأساس الذي يعد بمثابة الدستور للسلطة الفلسطينية، تكون الحكومة الفلسطينية الجديدة هي الحكومة العاشرة في ترتيب حكومات السلطة الوطنية منذ بدايتها في 1994.

حوار وجدل في الحقل السياسي

رفضت حركة حماس مطالبة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لها بتعديل برنامجها الحكومي، خاصة لجهة الاعتراف بدور المنظمة علماً بأن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لا تريد إفشال الحكومة أو اتهام أحد لها بإفشالها، وعلى ذلك فهي لم تعلن رفضها لتشكيلة الحكومة التي بحثتها اللجنة في اجتماعها في رام الله في 22/3/2006. ولكنها أشارت إلى أنه لا يمكن التغاضي عن حقيقة تجاهل حركة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وفي اجتماعه مع الدكتور عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي مساء ذات اليوم، أكد الرئيس محمود عباس أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. وشدد الرئيس على ضرورة تعديل برنامج الحكومة بما يتضمن تحفظات اللجنة التنفيذية، لكنه استبعد دخول النظام السياسي الفلسطيني في أزمة دستورية. وأكد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي المرجع الرسمي للشعب الفلسطيني، ولا أحد يستطيع قبول أو رفض منظمة التحرير التي انبثقت منها السلطة الفلسطينية.

وحقيقة.. إن الحقل السياسي الفلسطيني يشهد جدلاً وحواراً سياسياً غير معهود، يمس قضايا إستراتيجية تتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني وآليات اشتغاله ومستقبله، وشكل الحكومة ومرجعيتها ... الخ وهي قضايا مقحمة على شعب يعيش تحت الاحتلال. وقد أوضح أ. د. إبراهيم أبراش في مقالة له[5]، أن هذه القضايا تتمحور حول طبيعة العلاقة ما بين مؤسسات رئيسية ثلاث: الأولى هي منظمة التحرير الفلسطينية والتي عمرها حوالي أكثر من أربعة قرون وهي تمثل الشعب الفلسطيني، وتعتبر الإطار الموحد للقوى السياسية الفلسطينية وبمثابة النظام السياسي الفلسطيني. والثانية هي السلطة باعتبارها نظاماً فرعياً للمنظمة أسست بقرار منها ليجيب ويتعامل مع استحقاقات سياسية مرتبطة بالتسوية السياسية التي ألزمت نفسها بها. والطرف الثالث هي حركة حماس التي أصبحت الحكومة ومسيرة السلطة من باب الانتخابات دون أن تكون جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية.

هذه المكونات الثلاثة تعيش اليوم حالة من الجدل المحتدم لتحديد العلاقات بينها بما لا يخل بوحدة وشمولية النظام السياسي. وهو جدل وإن كان متواجداً قبل إجراء الانتخابات وفوز حركة حماس بالأغلبية، وإلا أنه جدل وصل لدرجة تأزم النظام السياسي ووضع المواطن الفلسطيني في حالة ترقب وقلق على مستقبله، لذلك فإن الأمر يحتاج إلى معالجة متأنية لسيرورة العلاقة بين هذه المكونات الثلاث حتى نتلمس سبل الخروج من المأزق بما يخدم المصلحة الوطنية العليا وبخاصة أننا في حالة تحرر وطني ويجب أن تتوحد كل القوى السياسية لمواجهة العدو المشترك.

  

منظمة التحرير وأزمة التمثيلية

منذ قيام منظمة التحرير عام 1964، تم التعامل معها كجسد للكيانية السياسية الفلسطينية من حيث وجود قيادة ومؤسسات، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي والمجلس الوطني الفلسطيني والقضاء الثوري ومؤسسات أخرى أهمها القوات المسلحة. كما حدد الميثاق الوطني الاستراتيجية والهدف، فكانت بداية إستراتيجية الكفاح المسلح ثم بالتدريج ومن خلال صياغات تحورية ومبطنة تم الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي.

هذا التحول بالاستراتيجية كان نتيجة استعداد لتحوير الأهداف من تحرير كل فلسطين إلى القبول بدولة على أساس الشرعية الدولية. كان النظام آنذاك هو نظام حركة تحرر وطني تناضل من خارج أراضيها، وهو ما جعل المحددات الخارجية تلعب دوراً خطيراً في قيام النظام السياسي –منظمة التحرير- بداية، ثم التأثير والتدخل الفج في رسم سياساته وحركاته السياسية لاحقاً. ولم يغير قرار قمة الرباط 1974 بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً، ولا إعلام القيادة الفلسطينية لشعار واستقلالية العمل الفلسطيني من الأمر كثيراً، ولكن مع تغير طبيعة القوى المتدخلة.

في تلك المرحلة كانت المنظمة بمثابة البيت لكل الفلسطينيين والنظام الذي يستوعب كل الفصائل والأحزاب والجمعيات، بغض النظر عن أيديولوجيتها وسياستها ما دامت تلتزم بالاستراتيجية الوطنية، وهي إستراتيجية المقاومة، وهذا ما نصت عليه المادة 8 من الميثاق الوطني، حيث جاء فيها (المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين، ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض السياسي فيما بين الصهيونية والاستيطان من جهة، وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية. وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفراداً جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح).

ومن هذه الصفة التمثيلية لم تغلق المنظمة أبوابها أمام أي فلسطيني أو فصيل فلسطيني يسعى للنضال من أجل التحرير، بل ذهب ميثاق المنظمة أبعد من ذلك معتبراً بأن أي فلسطيني هو تلقائياً عضواً في المنظمة، وهو أمر قد يبدو متناقضاً مع مبدأ حرية الانتماء، ولكن يمكن تقييم هذا الأمر إذا عرفنا بأن المنظمة لم تضع شروطاً للانتماء لها. فنصت المادة 4 من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية على ( الفلسطينيون جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقتهم وكفاءاتهم، والشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة).

وبهذه الصفة التمثيلية الشمولية، ليس للأحزاب بل للشعب كله، أصبح المجلس الوطني الفلسطيني، وكما جاء في النظام الأساسي للمنظمة ( هو الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها، والذي يعتبر حسب نص المادة 7-أ من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية هو السلطة العليا لمنظمة التحرير وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها وبرامجها). ويختص بكافة المسائل الدستورية والقانونية والسياسية العامة المتعلقة بالقضايا المصيرية للشعب الفلسطيني وكل ما يتعلق بمصالحه الحيوية العليا.

وبهذه الصفة التمثيلية تمكنت المنظمة من الحصول على اعتراف عربي ودولي بها عام 1974، فأصبحت عضواً في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الإقليمية وعضواً مراقباً في هيئة الأمم المتحدة، وأصبح لها أكثر من مائة سفارة ومكتب تمثيل في العالم، بل إنه على إثر الصدامات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال في يوم الأرض 30 آذار 1976، صدر بيان عن فلسطينيي الخط الأخضر يعلنون فيه أن المنظمة تمثلهم أيضاً.

وجاء إعلان الاستقلال في دورة المجلس الوطني في الجزائر في تشرين الثاني 1988، ليؤكد على الصفة التمثيلية للمنظمة حيث ورد (وصاغت الإرادة الوطنية إطارها السياسي، منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني باعتراف المجتمع الدولي ممثلاً بهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، وعلى قاعدة الإيمان بالحقوق الثابتة، وعلى قاعدة الإجماع القومي العربي، وعلى قاعدة الشرعية الدولية قادت منظمة التحرير الفلسطينية معارك شعبها العظيم المنصهر في وحدته الوطنية المثلى، وصموده الأسطوري أمام المجازر والحصار في الوطن وخارج الوطن، وتجلت ملحمة المقاومة الفلسطينية في الوعي العربي وفي الوعي العالمي، بصفتها واحدة من أبرز حركات التحرر الوطني في هذا العصر).

بقيت منظمة التحرير رائدة النضال الوطني وممثلة الشعب الفلسطيني حتى ظهور حماس كقوة شعبية جهادية أثبتت وجودها خلال الانتفاضة الأولى 1987، حيث قررت إسرائيل السماح بترخيص (المجمع الإسلامي) الذي كان الواجهة التي تشتغل من خلفها الحركة، إلا أنه تأكد حضورها كمنافس قوي وربما بديل عندما نشرت ميثاقها في آب 1988، والذي تشابه كثيراً مع ميثاق منظمة التحرير مع إضفاء مسحة دينية عليه.

كان تأسيس السلطة بقرار صادر عن المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة من 10-12/10/1993 في تونس، جاء فيه (أولاً: تكلف اللجنة التنفيذية بمنظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل مجلس السلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية من عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية وعدد من الداخل والخارج. ثانياً: يكون ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رئيساً لمجلس السلطة الوطنية الفلسطينية).

أيضاً فإن القانون الأساسي للسلطة أكد على أن منظمة التحرير هي مرجعية السلطة الوطنية، حيث جاء فيه (أن ميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية على أرض الوطن فلسطين أرض الآباء والأجداد يأتي في سياق الكفاح المرير والمستمر الذي قدم خلاله الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والجرحى والأسرى من خيرة أبنائه لأجل نيل حقوقه الوطنية الثابتة المتمثلة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني أينما وجد).

فحيث أن تأسيس السلطة جاء في إطار تسوية مرفوضة من طرف حركة حماس والجهاد الإسلامي أيضاً. فقد رفضت حركة حماس الاعتراف بالسلطة بداية، ثم قبلت بها كأمر واقع دون أي تعاون يذكر، وهي أساساً لم تكن راغبة بالإنضواء في النظام السياسي الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية. وسنلاحظ لاحقاً كيف غيرت حماس موقفها من المشاركة بالنظام السياسي وبالسلطة عندما دخلت الانتخابات التشريعية الثانية وأصبحت هي السلطة.

من جهة أخرى، فقد بات واضحاً بأن كل مسعى للسلطة الوطنية لتعزيز نفوذها محلياً ودولياً كان أحياناً يصب في اتجاه معارض للمنظمة ومهمش لها.

لاشك بأن تراجع المنظمة قد بدأ مع بدء الحوار مع أمريكا عام 1988، ثم مع حرب الخليج والأزمة المالية والسياسية المصاحبة لها، إلا أن أزمة المنظمة تكرس بعد تشكيل السلطة، حيث أن البعض بدأ يفكر بالسلطة وامتيازاتها على حساب التفكير بإحياء المنظمة... ومن هنا عم الفساد والفوضى الأمنية وترهلت مؤسسات السلطة ومعها تم تشويه المنظمة وعمودها الفقري حركة فتح.

.. بالرغم من أن المنظمة هي المسؤولة عن ملف المفاوضات والعلاقات الخارجية، إلا أن دورها بدأ يتراجع، ونلمس ذلك من خلال عدة مؤشرات، منها خارطة الطريق التي سلمت اللجنة الرباعية ملفها لرئيس وزراء السلطة. أيضاً استحداث منصب وزاري جديد في السلطة، وهو منصب وزير شؤون المفاوضات. كما أن وجود منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية بدلاً من منصب وزير التخطيط والتعاون الدولي أدى لتهميش الدائرة السياسية للمنظمة.

الانتخابات التشريعية الثانية وخلط الأوراق

 ازداد النظام السياسي تأزماً بعد رفض اللجنة التنفيذية بصفتها الأداة التنفيذية لمنظمة التحرير يوم 22/3/2006 برنامج الحكومة التي شكلها رئيس الوزراء المكلف إسماعيل هنية، وهو رفض متوقع لأنه لا يعقل أن تعترف مرجعية أعلى بمرجعية أدنى لا تعترف بها ولا بالقانون الأساسي الذي شرع الانتخابات. وبات للنظام السياسي ثلاثة رؤوس أساسية، منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد بمقتضى الميثاق الوطني وبمقتضى القانون الأساسي للسلطة وبمقتضى الاعتراف العربي والإسلامي والدولي. ورئيس المنظمة والسلطة. ثم حكومة تترأسها أغلبية انتخبت من جزء من الشعب على جزء من الأرض وببرنامج متعارض مع برنامج الممثل الشرعي لكل الشعب.

فلأول مرة في تاريخ الأنظمة السياسية الديمقراطية أو البرلمانية تتقدم الأغلبية الفائزة بالانتخابات ببرنامج حكومي يتعارض مع دستور الدولة. بالانتخابات يمكن عادة أن تكون الأغلبية وحكومتها من لون سياسي والرئيس من لون آخر، ولكن أن تكون الحكومة وبرنامجها ضد دستور الدولة وقانونها الأساسي، فهذه سابقة ومعضلة تحتاج إلى عقول دستورية وسياسية جبارة لحلها.

تشكيل حكومة من لون واحد بعيداً عن مشاركة القوى السياسية الأخرى والمستقلين، يضع النظام السياسي والمشروع الوطني الفلسطيني برمته موضع تساؤل. فكيف يمكن أن يقاد هذا المشروع بأكثر من رأس ومرجعية رئاسة السلطة من لون سياسي ورئيس مجلس الوزراء من لون سياسي آخر. أو ما فائدة الانتخابات إن لم تؤد لتشكيل حكومة إئتلافية؟.

ومع كامل الاحترام والتقدير لحركة حماس كحزب انتخبه الشعب في الضفة وغزة، وله تاريخه النضالي، ومع الإقرار بأن تهميش منظمة التحرير بدأ على يد أصحابها، وبأن السلطة أفشلت في الارتقاء لطموحات الشعب، إلا أن حماس لا يمكنها أن تكون إطاراً مستوعباً وموحداً لكل فئات الشعب وأحزابه السياسية داخل الأراضي الفلسطينية وفي الشتات، فيما منظمة التحرير يمكنها أن تكون كذلك، ولكن بطبيعة الحال بعد إنهاضها من كبوتها وبث الروح فيها واستيعابها لكل القوى السياسية الجديدة وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي. خاصة وأن ميثاق المنظمة وقانونها الأساسي يحمل من المرونة والأريحية السياسية والعقائدية بما يسمح بأن تمثل كل أطياف المشهد السياسي الفلسطيني.

فلسطين ومنظمة التحرير

لقد أخطأت حماس وأخطأت فتح وبقية الفصائل من جهة أخرى بحق فلسطين عندما فشلت جميعاً في الاتفاق على حكومة وحدة وطنية. حيث قال خالد الحروب في مقال له[6]، الطرفان تعنتا والمسؤولية لا تعفي أياً منهما.

حماس التي صاغت برنامجها سياسياً للحكومة غاية في الذكاء والحرفية السياسية، كان بإمكانها أن تعدل من موقفها إزاء منظمة التحرير بكونها الممثل الشرعي والوحيد بشكل لا يفرط بحقها، في ألا تتمثل في المنظمة بحجمها الطبيعي، ويحفظ في الآن نفسه رمزية وشرعية المنظمة التي هي أهم من السلطة الفلسطينية وتعتبر الخزين الاستراتيجي للشعب الفلسطيني برمته في الداخل والخارج.

وكان بإمكان فتح في المقابل أن تلملم جراحات هزيمتها في الانتخابات واعتماد مبدأ الشراكة والتفاوض حوله بجدية، عوضاً عن التمسك بموقف مسبق موغل في الحسابات الحزبية، وتمترس منذ اليوم الأول حول فكرة ترك حماس لوحدها تواجه الفشل.

بقية الفصائل كان عليها تقديم مبدأ الوحدة الوطنية على المناكفة الحزبية وتوهان البوصلة بشكل عام، خاصة وأن حجمها الشعبي متواضع كما أظهرت الانتخابات.

خلاصة القول

الحقيقة أن فلسطين ومنظمة التحرير أهم من أن يتركا لصراعات حزبية. المهم واقعياً ووطنياً معاودة إدارة حقيقة:

1-    أن منظمة التحرير مكسب تاريخي ووطني ودولي للشعب الفلسطيني.

2-    برنامج الحكومة الذي اقترحته حماس على بقية الفصائل يقدم تطوراً فكرياً لافتاً جداً في فكر الحركة ونظرتها للعديد من الأمور، بما في ذلك تقديم السياسي على الدين. فإنه يمثل في الجوهر برنامج الحركة الوطنية الفلسطينية بعقلانيتها وأحلامها في آن معاً.

3-    الأسباب التي تسوقها حماس لتبرير موقفها من عدم الاعتراف بمنظمة التحرير كما هي الآن، هي في الواقع الأسباب التي يجب أن تدفعها للاعتراف بها وإعادة تفعيلها. فالحديث عن ترهل المنظمة وهامشيتها السياسية وعدم انطباق المحاصصة الفصائلية فيها على تمثيل بوجود تلك الفصائل في أوساط الشعب الفلسطيني، وغير ذلك من الاعتراضات، هي الأمور التي تستوجب من حماس الاندفاع نحو تعديل وتفعيل المنظمة. ولكن لن يكون ذلك ممكناً من دون الاعتراف بها كإطار موحد للشعب الفلسطيني.

4-    التحدي الأكبر أمام الفلسطينيين جميعاً رئاسة وحكومة ومنظمة وأحزاباً هو كيف يمكن أن يتناغم لا أن يتصادم الجهد الفلسطيني في المرحلة المقبلة لمواجهة السياسة الإسرائيلية التي تقوم على فرض الأمر الواقع عن طريق أحادي، وترسيم حدود للدولة العبرية تقوم على أساس المصالح الفلسطينية.

 

الهوامش:

 

[1] منظمة التحرير الفلسطينية، جذورها- تأسيسها – مساراتها، أسعد عبد الرحمن.

[2] منظمة التحرير الفلسطينية، النشوء والتطور – سلسلة دراسات.

[3] حماس من الداخل، مهيب النواتي – دار الشروق 2000.

[4] الحكومة الفلسطينية الجديدة، مجلة مركز التخطيط الفلسطيني – العدد 21.

[5] العلاقة الملتبسة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس، مقال أ.د إبراهيم أبراش- الحياة الجديدة، 25/3/2006.

[6] فلسطين ومنظمة التحرير، مقال خالد الحروب – القدس 30/3/2006.


الصفحة الرئيسية | مجلة المركز | نشرة الأحداث الفلسطينية | إصدارات أخرى | الاتصال بنا


إذا كان لديك استفسار أو سؤال اتصل بـ [البريد الإلكتروني الخاص بمركز التخطيط الفلسطيني].
التحديث الأخير:
26/02/2007 11:56 ص