الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية 2006

 تقديم

مجد الوجيه

جاءت الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية مرسخة التزاماً رسمياً وشعبياً بانتهاج السبل الديمقراطية لانتخاب الشعب الفلسطيني لممثليه في المجلس التشريعي، لكنها جاءت متأخرة عدة سنوات عن موعدها المقرر، كما جاءت ضمن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية شديدة الوطأة، والأهم أنها جاءت تحمل في طياتها تغييرات سياسية وحزبية حادة، وكانت نتائجها مفاجئة لكافة المراقبين، بل والأطراف المنخرطة في العملية الانتخابية نفسها.

وإذا كان فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس، الساحق، قد فاجأ حتى القائمين على الحركة، فقد جاء نتيجة حتمية لأوضاع وتراكمات استمرت منذ إبرام اتفاقيات السلام المرحلية مع الطرف الإسرائيلي، فقد ماطلت إسرائيل طويلاً في دفع استحقاقات السلام، وتهربت تحت ذرائع عديدة من الالتزام بعملية السلام، بل دفعت بشكل دقيق ومدروس، الشعب الفلسطيني إلى انتفاضة عارمة ازداد أوارها مع الهجمات العسكرية الإسرائيلية وإعادة احتلالها للمناطق التي انسحبت منها في الضفة الغربية، وتصاعد مسلسل الاغتيالات للقيادات الفلسطينية، والقصف اليومي ضد المدنيين، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، والحصار الاقتصادي الذي دفع بنصف الشعب الفلسطيني إلى حافة الفقر، كما جرت تلك الضغوطات والجرائم الإسرائيلية إلى ردود فعل فلسطينية تمثلت بهجمات استشهادية في عمق المدن الإسرائيلية.

ولا يختلف اثنان على أن ذلك التصعيد الإسرائيلي كان مدروساً للتنصل من عملية السلام برمتها، بعد أن فشلت القيادة الإسرائيلية، بدعم أمريكي في إجبار القيادة الفلسطينية على القبول بالحل الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد. وكان ثمن التصلب وعدم تنازل الرئيس الراحل ياسر عرفات عن الثوابت الفلسطينية، حصاراً للرئيس في مقره في رام الله استمرت سنوات حتى وفاته، واتهام القيادة والشعب الفلسطيني بالإرهاب، تلاها البدء بتطبيق خطوات إسرائيلية أحادية الجانب في سبيل تكريس الرؤية الإسرائيلية للحل النهائي، بدأت بخطة الفصل الديمغرافية في الضفة الغربية، بواسطة جدرا الفصل، مروراً بخطة "فك الارتباط" الأحادي الجانب من قطاع غزة، وصولاً إلى تسمين وتوسيع مستوطنات الضفة الغربية تمهيداً لضمها بشكل نهائي داخل حدود إسرائيل المقترحة، بما فيها القدس الشرقية وتخومها والمستوطنات المقامة فيها، يضاف إلى ذلك الاحتفاظ بغور الأردن.

ويلخص ما سبق الوضع السياسي عشية الانتخابات التشريعية، الذي ألقى بظله على الوضع الداخلي الفلسطيني، وبالتالي لعب دوراً رئيسياً، إلى جانب عوامل أخرى، في تقرير نتائج الانتخابات التشريعية.

لقد لعبت الضغوطات الاقتصادية الإسرائيلية إلى جانب فقدان الاقتصاد الفلسطيني لمقومات الاستقلال واعتماده على المعونات الدولية وشيوع بضع حالات فساد مالي وإداري دوراً ودفعت المواطن الفلسطيني إلى الرغبة في التغيير وتحسين فرصه الاقتصادية عن طريق الإصلاح المالي والإداري. وساهم ذلك في حالة من الاصطفاف الجماهيري الرافض لاستمرار التدهور الاقتصادي والأمني وانعكس هذا الموقف بشكل واضح ضمن حالة إحباط من أداء السلطة، التي تمثل حركة فتح عمودها الفقري، وساهم ذلك في تدهور واضح لشعبية الحركة، كما أوضحت نتائج الانتخابات. وكانت حركة حماس هي المستفيد الأول والأخير من غياب البدائل الأخرى وحالة الإحباط السائدة، خاصة وأن التغيير والإصلاح كان العنوان الذي حملته الدعاية الانتخابية للحركة، والذي وجد فيه الناخب الفلسطيني تعبيراً عن آماله وتطلعاته.

وإذا كان ما سبق دليلاً على قدرة حركة حماس في التعاطي الواقعي الذكي مع متطلبات الساحة الفلسطينية، فقد سبقه دليل أكثر وضوحاً يتمثل في قبولها وانخراطها الفعلي في العملية الانتخابية الفلسطينية نفسها. فقد رفضت الحركة مبدأ المشاركة في الانتخابات التشريعية السابقة عام 1996، بدعوى أنها تجري تحت سقف اتفاقيات أوسلو، وان المجلس التشريعي ما هو إلا إفراز من إفرازاتها، تلك الاتفاقيات التي رفضتها تماماً، واعتبرتها في وقت من الأوقات بأنها تتنازل لإسرائيل عن غالبية فلسطين التاريخية مقابل دولة فلسطينية تقوم على 22% فقط من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لقد أوردت قيادة حماس الحالية مبررات انخراطها في العملية الانتخابية، وكانت غالبيتها تدور حول أن المتغيرات السياسية على مدى الأعوام السابقة قد كرست أوضاعاً سياسية جديدة، تسمح لها بالمشاركة، وهي نفس المنطلقات التي أوردتها  أحزاب فلسطينية أخرى أبدت رفضها المشاركة في الانتخابات السابقة، وانخرطت في الانتخابات الحالية، كالجبهة الشعبة لتحرير فلسطين وغيرها، حيث كانت المبررات الحالية بأن هناك وقائع سياسية مختلفة عن الوقائع السابقة، كانتهاء الفترة الانتقالية، واختفاء اتفاقية أوسلو تحت أطنان من الاتفاقات والخطط اللاحقة، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية..، وان الوضع الفلسطيني في حاجة إلى إعادة صياغة، وأن مؤسسات وهياكل السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية في حاجة إلى تجديد وإعادة بناء يستجيب للتحديات المطروحة حالياً، خاصة التحدي الإسرائيلي الذي يستوجب اصطفافاً ولحمة فلسطينية مقابلة.

ولا ريب في أن الدوافع والمبررات تكتسب أهمية كبرى باعتبارها تشكل جزءاً هاماً من برامج تلك الأحزاب تسعى لتحقيقها في حال فوزها، إلا أن الفوز بحد ذاته وفي هذه الانتخابات بالذات اكتسب أهمية كبرى، بل شكل انعطافة حادة في تاريخ الحركة النضالية الفلسطينية، فقد تراجعت حركة فتح عن سدة القيادة، وهي الحزب المركزي في منظمة التحرير الفلسطينية التي قادت العمل النضالي والوطني منذ انطلاقته. وتراجعت لتصبح حركة معارضة أمام حركة حماس التي فازت بالأغلبية الساحقة، لتصبح المكلفة بتشكيل الحكومة الفلسطينية، وحمل الأعباء السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل النضالية للشعب الفلسطيني، وهي الحركة التي حملت لواء المعارضة منذ قيامها في منتصف الثمانينات، وحملت شعار المقاومة المسلحة سلاحاً وحيداً حتى فترة قريبة جداً، وهي الحركة التي تحمل لواء التغيير والإصلاح في خضم تحديات اقتصادية ضاغطة، وشروط دولية صارمة، وشروط إسرائيلية يمكن في حال الاستجابة لها، أن تنسف حتى الأسس الفكرية والنضالية التي قامت عليها الحركة.

التحديات صعبة، ولكن متى لم تكن كذلك في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني؟


الصفحة الرئيسية | مجلة المركز | نشرة الأحداث الفلسطينية | إصدارات أخرى | الاتصال بنا


إذا كان لديك استفسار أو سؤال اتصل بـ [البريد الإلكتروني الخاص بمركز التخطيط الفلسطيني].
التحديث الأخير:
03/05/2006 09:56 ص